ملحق ثقافي
2011/12/6
رضوان السائحي /المغرب
سامي أحمد.. شاعر حزين في الأربعين لا يكره شيئاً، لكن تكرهه طفولته لا لشيء إلا لأنه يكبر.. لا يعتبر الشعر أبوة أو أبناء إنما هو إمضاء فقط.
شاعـر.. ليس لصوته مكان يأوي إليه غير الصدى.. يحتار كيف يخبر السلحفاة بأنه أبطأ منها.. متهم بأنه يزقزق ولا يردع أشياءه عن الدخول والخروج.
هو الطفل الذي كان يمارس حريته بالعري إذا قَبل امرأة صار طفلاً، وإذا قبلته صارت عجوزاً.. هو الطفل الذي كان يقرأ للثدي أبراجه.. أما الآن فجسده يستريح من جسده.. ملّ من جسده.. صار لا يدري ما يفعل به. يحتار أي جسد يختار.. وأي جسد يرتدي كي ينام مع أنثاه.
شاعر.. دائماً يدعي الارتباك كي يجرب تماسكه.. شاعر عاش دهراً بلا لحم، فهل يغفر له العظم؟
عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر صدر للشاعر السوري سامي أحمد هذه السنة ديوان شعر يحمل عنوان «شبه لي» بعد دواوين أربعة: صلاة المطر «1999»، ودخان «2002»، وعميل التعب «2003»، وخذلتني النجوم «2005». وهو من الحجم المتوسط يتكون من 87 صفحة يضم بين دفتيه 23 قصيدة.
جاءت القصائد في الديوان مليئة بالصور الشعرية ذات الإيحاءات المتعددة لقراءات مختلفة، والفياضة بالرموز والإشارات التي تتمحور أغلبها حول الجسد، هذا الأخير الذي يحمل في طياته دلالات أنثروبولوجية توحي إلى حد ما إلى وعي الشاعر بتوظيفه لتيمة الجسد، وبثقافته في التشكيل الشعري. فالشاعر في «شبه لي» يخلط المعاني ومن تم يرسم تفاصيل الجسد فياضاً بتحولاته الفيزيولوجية. فقد وردت كلمة الجسد 32 مرة منتشرة على رقعة الديوان، وكلمتي «جسم» و»قامة» مرة واحدة. أما أعضاء الجسد فقد وردت أكثر من 70 مرة أهمها الوجه. هذا بالإضافة إلى أماكن وأشياء لها علاقة باحتواء الجسد كالقبر، والفراش، والوسادة، والكفن، والسرير... يلاحظ أيضاً تكرار أفعال لها علاقة بالجسد مثل: يتكلم، يرقص، يستلقي، يجامع، أرتدي، وأتقنع... إلخ.
عندما نتحدث عن الجسد هل نقصد جسم الإنسان في تركيبته التشريحية من عظم ولحم ودم؟ أم أننا نعني مظهره الخارجي فقط؟
الجسد موجود ظاهرياً، يمكن أن نلمس جسد الآخر داخل إطار منظومة اجتماعية معينة وأن نتحسس حرارته وبرودته وكذا نستشعر رعشاته ورجفاته. يمكن أيضاً أن نؤثر في تغيير شكله الفيزيولوجي بإشارة موحية، أو لمسة حرى، أو كلمة بليغة فيحمر الوجه، وتتسارع دقات القلب. قد تنفلت من بين الشفتين ابتسامة ساحرة، وقد نحظى بتقطيبة جبين، أو تكشيرة أو نظرة جافة. فالجسد أعمق من أن نحدد صورته في المظهر الخارجي. فصورة الجسد هي التصور «الذي يكونه الشخص عن جسده والطريقة التي يبدو له بها بشكل واع إلى هذا الحد أو ذاك عبر سياق اجتماعي وثقافي يضفي عليه طابعاً خاصاً». «المرجع: أنتروبولوجيا الجسد والحداثة- دافيد لو بروتون».
الشاعر سامي أحمد لا يضع حدوداً لجسده، ولا يفصله عنه كشخص، إنما له علاقة جدلية تمتد إلى التواصل والتفكير ولذلك فهو يرفض جسداً فارغاً من محتواه الإيديولوجي:
«لم علي أن أحمل في داخلي/كل هذه اللذات/ التي لا تتكلم، لا تفكر/ لاترفض، لا ترقص/ لم علي أن أشهد بالخواء/ وأرتدي كل هذا الجسد/ وأن أتقنع بهذا الوجه».
يقال إن الوجه هو بوابة الجسد، وقد كان رسم الوجه بشكل فريد يعتبر أحد المصادر الأساسية لإلهام الرسام في القرن الخامس عشر. ولذلك فاللقاء بين الأشخاص «يبدأ دائما بتقويم للوجه، فالفترة الأولى هي الفترة التي تلتقي فيها النظرات ويجري فيها تقويم متبادل لنوعية الحضور. وبهذا الاتصال الأول تتعلق غالباً نبرة التبادل ونهايته». «المرجع السابق».
والشاعر لا يفصل جسده عن منطقة الوجه، بل هو يعطيها نفس البعد إذ يقول:
«يذوب جسدي/ في جسد الشمس».
وفي قصيدة معنونة بـ :»وجه» يقول: «وجهي يترنح في عوالمه/ يرسم في أجساده صفاته/ وجه،/ وجوه،/ زمان المساء/ يساقط وجهي في وجه الشمس/ يرتطم في وجه الليل».
إذا كان الوجه بوابة الجسد، فالنظرة هي نافذة الوجه، فهي أيضا اتصال لأنها «تشبه اللمسة إنها نوع من اللمس البصري المتبادل المختصر أحياناً إلى حد يكون معه فعالاً في صياغة الرأي». «المرجع السابق».
لا ننسى أيضاً الصوت الذي يكثف التواصل إلى جانب السمع كل هذه القيم الجسدية تضفي على الجسد كماله واكتماله. والشاعر لا يستحضر جسداً معطوباً تعوزه إحدى هذه الصفات أو القيم.
«أشد فمي إلى قدميك/ لأعلم لساني/ فن الصمت/ وأشد أصابعي/ إلى أشيائك لأسمع أصواتاً لا أراها».
الجسد في الحياة الاجتماعية يُعاش وفق نمط معين لكل جماعة، ولذلك كان الوعي بالجسد وبثقافته يختلف من مجتمع لآخر والذي كان يؤدي بدوره إلى اختلاف قيمته من شخص لآخر.
لقد أصبح الجسد ملكية فردية له حدود تفصله عن الآخر، وتجعله ينغلق على ذاته. فوجوده مبني ثقافياً من قبل الإنسان، أي أنه يتحدد مفهومه من خلال البعد الثقافي الذي ينظر إليه.
وتبرز تداعيات الجسد الثقافية والاجتماعية ووعي الشخص بملكيته لهذه الأيقونة وتفردها، هو التغيرات المظهرية التي يضفيها على ظاهر جسده كاختياره لنمط معين في حلاقة الرأس والوجه، أو الوشم على مناطق معينه من جسده، أو وضع حلقات فضية في أذنه أو أنفه...
وحدها فلسفة الحياة تفرض على هذا الجسد أن يترنح ويكبح جماح خطوه:
«هذه الحياة ناقوس لا يُقْرع/ متى أعلى عليها نومها / أتراني لا شيء/ أتلاشى في زجاجها/ وأمرغ غيابي/ بجسد غيابها».
..
«إلى متى يبقى جسدي/ طلقة / في جسد الوحدة».
الجسد يُعَرف الفرد ويفصله عن الآخرين، ولهذا فالقيم الجسدية رهينة بوجود جسد الآخر، يتواصلان ويتفاعلان. هذا الاتصال إما يخلق اللذة والمتعة، أو يخلق الألم والجرح، والشاعر في تواصله مع جسد الآخر الأنثوي، ليس اتكاءً مباشراً بليداً، إنما يخضع لعدد من التمرينات الجسدية لترويضه وملئه بمحتوى يكسبه صبغته الوجودية.
«أشد فمي إلى قدميك/لأعلم لساني/ فن الصمت،/ أشد قدمي إلى سريرك/ لأعلم حذائي الانتظار/على الباب./ أشد أصابعي/ إلى أشيائك أسمع/ أصواتاً لا أراها /إلى متى/ أجر قدميك إلى جسدي/ بحبل السؤال».
الشاعر يستضيف في ديوانه «شبه لي» جسداً متحولاً ليس حربائياً، كي يتخفى وينفلت من منطقة الرؤية، إنما هو جسد ينبني على حياة تتأسس على المعرفة وجوهرها:
«كان عليَّ أن أقتل الماء/ في جسد النهر/ لأحيا التدفق/ لأرى الأشياء كما تراني/ من العمق إلى السطح/ فكل داخل سوف يقرأ سفر خروجي/ سيعرف جهلي/ بأن الكتب/ هي قهوتي/ وفراشي/ وناري التي لا تخبو».
النص مليء بالدلالات الموحية والتي تحمل في معناها قراءات متعددة كالماء الذي يرمز إلى سبب من أسباب الحياة، والنهر إلى الصيرورة الزمنية، وفلسفة الرؤية من العمق إلى السطح، والدخول والخروج، الدخول إلى عالم المعرفة الذي هو في نفس الوقت خروج من ظلمات الجهل، والقهوة التي ترمز إلى الإدمان، والفراش الذي يرمز إلى مرقد الجسد واستراحته، والنار التي ترمز إلى النور.
وللشاعر نزعة مرضية للتلصص على الجسد، فهو يحاصره باللمس البصري، ويتعقبه في حركية تحولاته، وعندما يصبح مبتذلاً يحاول التخلص منه وكأنه تحول إلى مسودة، فيسعى إلى تدميره ثقافياً، ومن ثَمَّ تأسيس وعي جديد لجسد له أبعاد ثقافية واجتماعية أخرى، ولذلك فوعيه بجسده يختلف من زمن إلى آخر. في الطفولة كان وعيه لا يتجاوز حدود جسده الخارجية، كأن يكتفي بالتعري فقط: «أنا الطفل الذي كنتُ أمارس حريتي/ بالعري».
لكن هذا الوعي ستتراكم عليه عدة معارف وثقافات، ربما التحولات الفيزيولوجية، وإحساس الإنسان بتقدم في السن، يجعل نظرته تختلف إلى جسده، إذ يعطيه انطباعاً تدريجياً بالتقليل من قيمة الجسد الوظيفية، ويصبح استعماله تعتريه رغبة مترددة:
«لا مبالاة/ أنام معها/ كأنني الفراغ».
..
«أيها الجسد مللتُ منك/ فما أفعل بجسدي».
..
«ما الجسد الذي سأرتديه/ عندما أنام معها».
..
«نساء كلما جامعتهن/ حبلن بالفراق».
رغم هذه النظرة السلبية إلى الجسد فهي تظل حالة معينة في موقف معين، لأن جسد الشاعر من منطلق وعيه يعيده يطفح بالحيوية، يمتزج مع جسد الآخر منفتح يتخطى الحدود، جسد غير منغلق أو منكفئ على ذاته.
من خلال عدد من أنواع الجسد وحالات متغيرة لمختلف أشكاله، فهناك الجسد الإيروتيكي ألغرائبي: «بنات آوي تلقح من فمها/ وتلد من الآذان/ ومنها ما يُلقح من هبوب الريح بلا تزاوج».
والجسد الميت الذي ينسلخ عن الشخص: «مرتْ جنازتي في الطريق/ أمام بيتي/ فحيَّيْتُها كما يفعل الطغاة».
والجسد الأسطوري: «امرأة كلما قبلتها/ صرتُ طفلاً،/ كلما قبّلتْني/ صرتُ عجوزاً».
والجسد العاري كرمز للحرية: «أنا الطفل الذي كنتُ أمارس حريتي/ بالعري».
والجسد كرمز للجسد الحيوي: «عندما كنتُ حرّاً/ قرأتُ للندى أبراجه/ أما الآن/ فجسدي يستريح من جسدي».
وأخيراً يطرح الشاعر تساؤلاً عن إشكالية الجسد: «عشتُ دهراً بلا لحم/ فهل يغفر لي العظم/ وهل يغفر لي العظم».
يقال إن الحداثة اختصرت قارة الجسد، فالإقامة في المدينة العصرية تُلزم الشخص أن يعيش وفق نمط معين، يطبعه الإيقاع السريع في العيش. هناك هندسة البيت الضيقة التي تقلل من الإنفاق الكلي للجسد، والشوارع والجدران في العمل والبيت، ووسائل النقل التي قلصتُ من حركية الجسد، ووسائل الترفيه كالتلفاز والإنترنيت.. شوهت الاستعمال التام للجسد، وجعلتْ منه جسداً خاملاً كسولاً، وأصبح عبئاً على الإنسان، لهذا نجد الشاعر كغيره من المثقفين الأكثر وعياً بثقافة الجسد، يبحث عن جسد طريٍّ ذي حمولات فكرية واعية تناور الحداثة وأساليبها، وينتصر عليها، وبالتالي يفتت المسافة التي تخلقها الحداثة بينه وبين جسده.


