
جريدة الزمان - 2012/02/17
رضوان السائحي
ملصق الفيلم
يأتي فيلم " رجال وآلهة " للمخرج الفرنسي كزافيي بوفوا في ظل الجدل القائم بين فرنسا والجزائر. والذي أثارته السلطة الفرنسية بعد تسريب جهاتها العسكرية معلومات تفيد بأن قتل الرهبان الفرنسيين السبعة في دير تيبحرين بالجزائر عام 1996م لم يكن من طرف الجماعة الإسلامية المسلحة بقيادة أميرها الوطني آنذاك جمال الزيتوني. وإنما قد يكون بسبب خطأ ارتكبته وحدة تابعة للجيش الجزائري أثناء قصفها لأحد أوكار الجماعة بالمدية.هذه الإفادات تقدم بها الملحق العسكري السابق بسفارة فرنسا بالجزائر الجنرال المتقاعد فرانسوا بوشوالتر لدي قاضي التحقيق الفرنسي المتخصص في قضايا الإرهاب مارك ترفيديك بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2009. في حين ذهب المحللون إلي اعتبار هذه الإفادات مجرد سيناريو جاهز أشهرته فرنسا كورقة ضغط علي الجزائر، وذلك من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية .
تعود أحداث القصة المأساوية التي عاشها الرهبان السبعة إلي ليلة 26 و27 مارس عام 1996م. حينما تم اختطافهم من دير تبحرين بالمدية الجزائرية، و يوم الخميس في 30 أيار 1996، شاهد أحد الفلاحين ثلاثة رؤوس بشرية مقطوعة ومعلقة بواسطة أسلاك علي أوتاد السياج المحيط بأرضه في منطقة المدية في الجزائر، وكان رأسٌ رابع ملقي علي الأرض. بعد حضور المحققين إلي المكان، وجدوا بين النباتات العالية رأسين آخرين داخل كيسين أسودين من البلاستيك في الحفرة الموازية للطريق العامة. ثم عُثِرَ علي رأس سابع في مجري جاف لنهر صغير بالقرب من المكان. وكانت الرؤوس السبعة قد بدأت تتفسخ بل إن خمسة منها غدت دون لحم. وكانت البطاقات الشخصية الموجودة في كيس صغير بالقرب من الرؤوس هي التي أثبتت هوية الرهبان المقتولين. حيث تبنت الجماعة الإسلامية المسلحة(GIA) الاختطاف والقتل.
وجاء الفيلم ليعيد هذه القضية إلي الواجهة، وتأخذ بعدها الإنساني عبر العالم. ويشير، هو الآخر، بأصابع الاتهام إلي الجيش الجزائري. ويتناول الحياة اليومية التي كان يعيشها الرهبان التسعة مع أهل القرية في علاقة يطبعها السلام والوئام خلال فترة التسعينات، أو ما يطلق عليها العشرية الدامية في إطار الصراع بين الجماعات الإسلامية المسلحة والجيش الجزائري، والذي راح ضحيته أكثر من 250 ألف مواطن حسب الإحصاءات الرسمية، في حين تشير الحقائق إلي أكثر من نصف مليون. ويحمل في طياته رسالة سينمائية إنسانية سامية إلي العالم، ألا وهي رسالة السلام. وقد صرح المخرج إلي الإعلام الفرنسي بعد عرض الفيلم قائلا:" كل ما أردته هو توجيه رسالة سلام، وتحية الأرواح الضحايا، وسيظل الإنسان يحب أخاه في الإنسانية مهما حصل".
حاز فيلم "رجال والهة" علي جائزة أفضل فيلم في الاحتفال السنوي لتوزيع جوائز سيزار الفرنسية وحصل علي السعفة الذهبية في مهرجان " كان "السينمائي. كما تم اختياره ليمثل فرنسا في جائزة " الأوسكار " السينمائية بلوس أنجلوس. ولقي إقبالا كبيرا بعد عرضه في القاعات السينمائية الفرنسية، إذ تجاوز عدد متفرجيه المليونين. ووصفه النقاد بالشفاف والرقيق والعميق.ولم تدخر وسائل الإعلام الفرنسية جهدا للإشادة بهذا العمل السينمائي الذي زاد من قيمة أسهم السينما الفرنسية عبر العالم، وأفردت الصحف صفحاتها للتحليل، والنقد، وإثارة قضية تبحرين من جديد علي المستوي العالمي.
من جهة أخري أثار توقيت صدور الفيلم ( سبتمبر 2010)، والمكان الذي صور فيه، والإشارات الخفية التي تشير بأصابع الإتهام إلي الجيش الجزائري جدلا واسعا من طرف الإعلام الجزائري، ورد بدوره عن الاتهامات الموجهة للعسكر. وطرح علامات الاستفهام عن جدوي إثارة هذه القضية كلما توترت العلاقة الفرنسية الجزائرية.
تم تصوير الفيلم في المغرب بمنطقة قريبة من مدينة مكناس. وهي منطقة قريبة الشبه جغرافيا مع المنطقة حيث وقعت أحدات القصة الحقيقية، تتسم بطبيعتها الخلابة.
الراهب لوك والأخ حمادة
قصة الفيلم
يعيش تسعة رهبان في دير منعزل، قرب العاصمة الجزائر، خصصوا جزءا منه كمستوصف وحيد في القرية يشرف عليه طبيب وحيد هو الراهب "لوك"، يقدم خدماته الطبية بالمجان بما فيها الأدوية والنصائح الطبية واللباس للمحتاجين. يبرز الفيلم في مجمله مدي اندماج الرهبان التسعة، في حياتهم اليومية، مع أهالي القرية، في إطار علاقة إنسانية، رغم اختلافهم العرقي والديني، تطبعها روح الانسجام والتعاون، وحسن الجوار والتواصل. ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم، إلي جانب انشغالهم بالفلاحة وبيع محاصيلها خاصة العسل. وهذا لا يصرفهم عن التعبد من صلاة وتراتيل وأدعية وابتهالات.
في مقدمة الجنيريك يتم الاستشهاد بالمزمور الحادي والثمانين من الإنجيل: " قلت إنكم آلهة كلكم، وأبناء العلي. لكن ستموتون مثل الناس، وتسقطون كأحد الأمراء". ثم يفتتح المخرج الفيلم بإنشاد الرهبان وهم يقومون بالصلاة في محراب الدير. ثم يعقبه صوت آذان الفجر ينبعث من الخارج، وفي نفس الوقت يبدو الطبيب لوك يتفحص الأدوية ومن ثم يضعها في حقيبته.تنتقل الكاميرا في رقة يترجم السكون الذي يخيم علي الغابة في الأفق، و مبني الدير من الخارج، وبيوت القرية. بعد ذلك يرصد تفاصيل الحياة اليومية للرهبان في إطار علاقتهم بالأهالي من دون أن نشعر بملل أو تكرار في المشاهد. حيث عمل المخرج علي نقل هذه التفاصيل وسط الأجواء الروحانية للطقوس الكنسية التي تتخلل مشاهد الأعمال التي يقومون بها خلال النهار. من بين المشاهد الأولي التي ترصد هذا السلوك اليومي. مشهد الطبيب لوك وهو يتحه صوب عيادته ويشرع في تقديم خدماته المجانية للسكان بما فيها الأدوية، والملبس. ثم مشهد رئيس الدير كريستيان وهو يجلس إلي مكتبه يبحث في مجموعة من الكتب من بينها كتاب ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الفرنسية. ثم بتعاقب مشاهد الفيلم نتعرف شيئا فشيئا علي مهام كل واحد من بستنة وتربية النحل وتعليب العسل، وجلب الحطب، والطبخ..
وفي إطار التعايش الديني للرهبان مع جيرانهم المسلمين يركز المخرج علي الرهبان، الذين استجابوا لدعوة نور الدين لحضور حفل ختان ابنه، وهم يجلسون وسط المدعوين ينصتون بخشوع وصمت أثناء تلاوة آيات من الذكر الحكيم.
كما يتجلي لنا مدي انسجام الرهبان مع الأهالي ومعايشة مشاكلهم العائلية في أحد المشاهد حيث يجلس لوك بجانب فتاة يافعة التي تسأله ونظراتها تسرح بعيدا:
كيف نعرف أننا عشاق؟
هو شيء محبوب في داخلك، حضور إنسان لا يمكن السيطرة عليه يجعل القلب يخفق، هو انجذاب، هو لذة، شيء جميل جدا، إذن لا يجب طرح العديد من الأسئلة، هو حالة فعل، هو السعادة، هو الأمل في السعادة، هو عدد كبير من الأشياء، وأخيرا هو اضطراب، اضطراب كبير خصوصا إذا كان لأول مرة.
تستغرب الفتاة في حين يسترسل لوك قائلا:
والدك حدثني عن خالد.
والدي يتكلم كثيرا، أنا لا أريده، عندما أراه لا يعني لي شيئا.
إذن الأمر ليس جديا؟
والدي هو الذي يريده، أنا..
هذا مشكل آخر.
نعم.
يصمت الاثنان قليلا، ويتعالي في نفس الوقت صوت الآذان، ثم تسأل الفتاة:
هل أحببت؟
نعم، عدة مرات. لكنني وجدت حبا آخر، حبا عظيما واستجبت له.
الممثل لونسدال مع الممثلة صابرينا الوزاني
ترصد الكاميرا تفاصيل أخري لحياة الرهبان اليومية . بعد الصلاة ينصرف راهب لجلب الحطب، وآخر يكتب رسالة لامرأة أمية من أجل ابنها، في حين يتجول البعض عبر أرجاء القرية.
تستمر الحياة هادئة، إلي أن يتناهي إلي مسامع الرهبان ذبح اثنا عشر كرواتيًّا علي يد الجماعة الإسلامية المسلحة، علي بعد عشرين كيلومترا من دير سيدة الأطلس، ليشعروا أن الخطر بات محدقا بهم. يعرض عليهم أحد المسؤولين حماية الجيش لكن كريستيان يرفض بحدة وسط ذهول باقي رفاقه الذين عاتبوا عليه اتخاذ هذا القرار الفردي. مما يوحي تماسك المجموعة واتخاذ قراراتهم بشكل جماعي.
يظهر الخوف جليا من خلال حرصهم علي غلق الأبواب في الليل بإحكام، ووضع متاريس خلفها. وذات ليلة بينما أحد الرهبان يهم بإغلاق الأبواب تقتحم الدير عناصر المجموعة المسلحة الإسلامية المكان ويسأل زعيمهم عن رئيس الدير. وعندما يخرج هذا الأخير يصرخ قائلا:
ماذا تريدون؟ هذا بيت السلام.
هل أنت كريستيان؟
نعم. لا يُسمح بالدخول إلي هنا بالأسلحة.إذا أردت أن نتحدث اتركوها خارجا من فضلكم.
أنا لا أفارق سلاحي أبدا.
حسنا سنتحدث خارج الدير.
يخرج كريستيان يتبعه زعيم المجموعة، ويبادر بالحوار
أنا في حاجة إلي الطبيب. يجب أن يرافقنا.
هذا مستحيل.
لدي ثلاث جرحي في حاجة للعلاج.
لا يقدر أن يبرح هذا المكان، فهو مريض وطاعن في السن. الأخ لوك دائما يعالج الجرحي. يعالج كل من هو في حاجة إليه دون الاهتمام بهويته.
إذن أعطونا الأدوية؟
نحن نفتقد الأدوية. كل يوم نعالج...
يقاطعه الزعيم صارخا:
صه! ليس لديك خيار.
بلي.. لدي الخيار.ليس عندنا أدوية. سيخبركم إخوانكم في القرية أننا نعيش عيشة متواضعة من منتجات الأرض. هل تعرف القرآن؟
يتطلع إليه الزعيم في اندهاش وصمت، في حين يسترسل كريستيان.
إنه يذكر من بين الذين يحبون المؤمنين الذين يقولون إنا نصاري. وأن منهم قسيسين ورهبانا...
يقاطعه ويتمم الآية:
" ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون".
لهذا نحن قريبون من جيراننا.
يأمر الزعيم باقي رفاقه بالانسحاب، وبينما يهم الجميع بالابتعاد عن الدير يبادره كريستيان وهو يلتقط أنفاسه:
هذا المساء ليس كباقي أي الأَمْسِية.
يلتفت الجميع، ويرد زعيمهم متسائلا:
لماذا؟
إنها ليلة عيد الميلاد التي نحتفل فيها بميلاد أمير السلام.
أمير السلام؟
يجيبه كريستيان باللغة العربية:
سيدنا عيسي.
يرد عليه الزعيم باللغة الفرنسية:
Jésus (يسوع).
هنا يتقدم الزعيم منه، وبعدما يعدل بندقيته علي كتفه، يمد يده ويصافح كريستيان أمام ذهول باقي الرهبان معتذرا:
أعتذر. لم أكن أعلم.
زعيم الجماعة يصافح كريستيان
بعد هذه الزيارة المفاجئة تتأزم وضعية الرهبان النفسية وتختلف آراؤهم ما بين البقاء أو الرحيل. ينشغل بال كريستيان كثيرا بصفته مسؤولا عن الجميع. يتجول في الغابة متأملا الأشجار ومتلمسا جذوعها وكأنه يستمد قوته من شموخها. ثم يهيم علي وجهه وسط البراري لينتهي به السير بالجلوس علي ضفة بحيرة يتأمل في الأفق، يبدو وكأنه يحسم في موقف مصيري. بعد ذلك يبدو لنا في مكتبه يكتب رسالة باللغة الفرنسية، وقبل أن يضع إمضاءه يكتب باللغة العربية : " إن شاء الله".
تتزايد وتيرة الضغط من طرف المسؤولين من أجل مغادرة البلاد، تزيدهم مشاهد الذبح التي يصادفونها علي جنب الطريق أثناء غدوهم ورواحهم من المدينة. هذا الاضطراب يخففه قليلا أهل القرية. ويتجلي هذا أثناء زيارة بعض الرهبان إلي منزل إحدي الأسر بالقرية حيث يسأل كريستيان صاحب البيت:
هل تعتقدون أن القرية في حاجة لحماية الجيش؟ لأنهم سيعودون.
لا.. لا تتكلم عن الجيش إنه كارثة.لن يأتي الجيش. الحماية هي أنتم، لأن هذه القرية كبرت بفضل الدير. ما اسم القس السابق الذي كان هنا قبل الحرب؟
يجيب أحد الرهبان:
الأخ برنارد.
لا.. راهب آخر كبير في السن.
لا يتذكره أحد من الرهبان. فتجيب زوجة صاحب البيت:
الأخ دانييل.
نعم، إنه الأخ دانييل الذي أخبر والدتي أن ترحل إلي المدينة، بحجة أنه لم يعد في القرية عمل. لكنها استحلفته ألا يحدث والدي بهذا الشأن. لأنها كانت لا تشعر بالراحة إلا في هذا المكان.
بعد تردد يجيب الأخ جون( كان يلقبه أهل القرية بالشيخ حمادة، لأنه كان يدرس أطفال القرية. وهو الأكبر سنا بين الرهبان، والناجي الوحيد من الاختطاف إلي جانب بيير، توفي في مدينة ميدلت بالمغرب عام 2008م).
نعم، لكننا قد نرحل. نحن...
يقاطعه صاحب البيت.
لماذا؟
يرد راهب آخر:
نحن مثل العصافير فوق غصن، لا نعرف إن كنا سنرحل.
ترد عليه زوجة صاحب البيت من دون تردد:
نحن هم العصافير وأنتم هم الغصن، إن رحلتم لا نجد أي مكان نحط عليه.
لا يجد الرهبان جوابا فيلزمون الصمت أمام هذا الأمان الذي يستشعره أهالي القرية بوجودهم في الدير.
الضغط على الرهبان للرحيل
تعود الحياة إلي الدير بشكل طبيعي، لكن الخوف هذه المرة لم يعد مرتسما فقط علي الوجوه. إنما بدأ يحفر بعمق في النفوس.إذ كلما اختلي راهب مع نفسه يبدو أنه يقاوم ضغطا نفسيا. أحدهم حاول تخفيفه عن طريق مناجاة ربه بصوت مسموع، وهو في غرفة نومه، تناهي إلي مسامع رفاقه.وآخر أبدي خوفه ورعبه إلي رئيس الدير الذي كان المتنفس الوحيد والذي يحمل في جعبته كل الأجوبة المقنعة لسبب بقائهم في الدير رغم الموت الذي بات قريبا منهم. ويتأزم الوضع أكثر بعد عودة أفراد من الجماعة المسلحة يحملون جريحا معهم قام لوك باستخراج الرصاص من كتفه. يجتمع الرهبان مرة أخري ويتدارسون أمر الرحيل فيما بينهم. لكنهم يؤكدون عزمهم علي البقاء. وعندما يسأل أحد الرهبان رئيس الدير عن رأيه، يجيب كريستيان.
أزهار الحقل لا تذهب كي تبحث عن أشعة الشمس،الله يهتم بتسميدها حيث توجد.
قبل الاختطاف يجتمع الرهبان حول الطاولة لتناول العشاء. يلتحق لوك بالمكان وهو يحمل قنينتي شراب ويقوم بتشغيل شريط كاسيط لمقطوعة تشايكوفسكي "بركة البجع". يغيب الحوار وترتفع الموسيقي، يبدو من ملامح الرهبان، التي تحمل قلقا خفيا يدارونه بابتسامة واهنة، وكأنهم يحتفلون بعشاء أخير لهم. تنتقل الكاميرا بين الوجوه وتبرز مدي التماسك الذي يبذله الرهبان، هذا المشهد يجعل المتفرج يتفاعل مع الموقف لا أن يتعاطف معه، رغم الدموع التي داعبت خدي الراهب جون.
يتم اختطاف سبعة رهبان في حين ينجو اثنان منهما، ويتم اقتياد الجميع إلي أحد الأوكار في الجبال. يتم تسجيل أقوالهم بآلة التسجيل قصد مبادلتهم بمعتقلين من الجماعات الإسلامية المسلحة. في آخر مشهد من الفيلم يتم اقتيادهم وسط الثلوج وهم يتوغلون في الغابة في طريقهم إلي الموت الذي اختاروه بطواعية ولم يركنوا إلي الرحيل لأن الهروب كان يعني الموت كما عبر لوك في أحد المشاهد .
التعايش الديني:
إن فكرة الفيلم تبدو في ظاهرها أنها تتمحور حول تسعة رهبان انقطعوا عن متع الدنيا في دير منعزل. ويرصد تفاصيل حياتهم اليومية في إطار تعايشهم مع أهالي القرية. إلا أنه يرمي إلي فكرة التعايش الديني الذي يحققه الدين المسيحي بشتي تعاملاته، يبرز اطلاع رئيس الدير علي مضمون الدين الإسلامي يبدو هذا من خلال تذكيره لزعيم الجماعة بالآية القرآنية، في المقابل يجهل الزعيم بليلة ميلاد اليسوع. واحترامهم للشعائر الإسلامية، مثل خشوعهم وهم ينصتون إلي آيات القران في حفل الختان. مقابل هذا لم تحترم عناصر الجماعة الإسلامية حرمة الدير عندما اقتحموه بأسلحتهم. كما ركز المخرج علي إدراج مقاطع عديدة من الإنجيل أثناء صلوات الرهبان إلي جانب آيات من الذكر الحكيم وصوت الأذان بين الفينة والأخري. هذا التعايش تم تجسيده بصورة أخري أثناء عرض الفيلم في فرنسا حيث حضر رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية محمد موسوي، والشيخ ضو مسكين الكاتب العام للمجلس الفرنسي للأئمة، إلي جانب عدد من القساوسة والرهبان. فهل هي دعوة صريحة إلي الانفتاح علي الدين الإسلامي خصوصا وأن الانتخابات الفرنسية علي الأبواب.
أبطال الفيلم والمخرج
أنواع التدين في الفيلم
يعرض فيلم "رجال والهة" نوعين من التدين الإسلامي، تدين أهل القرية الذي يطبعه الجهل والحاجة إلي أبسط متطلبات الحياة، وهو تدين يبدو في ظاهره بسيط غير مشبع بالإيديولوجية والسياسة، تدين لا يعتبر الآخر( الرهبان) عنصرا يهدد وجوده. يقابله تدين متطرف يطبعه العنف والدم وذلك في سبيل السلطة، والذي يجسده أعضاء الجماعة الإسلامية المسلحة ذو اللحية الطويلة واللباس المميز لهم.ويعتبرون الآخرمن المسلمين كافرا، إذا لم يلتزم بتعاليم دينه. والآخر من الكنسيين مُهددا للإسلام ومفسدا لشبابه.
من جهة أخري يركز الفيلم في جل مشاهده علي التدين الكنسي للرهبان الذين يرمزون إلي دين الانقطاع عن متع الحياة والانقطاع للعبادة (دير منعزل في جبال الأطلس وسط أناس يختلفون لغة وثقافة وعرقا ودينا). ودين خدمة الإنسانية (تقديم مساعدات بشتي أنواعها لأهالي القرية من دون مقابل)، ودين التوكل (الاعتماد علي محاصيل فلاحية لتوفير لقمة العيش)، ودين التسامح (مداواة الجرحي من الجماعة الإسلامية المسلحة)، ودين المواجهة (قرار البقاء في الدير رغم مخاطر الموت المحدقة بهم). فالفيلم تطرق لكل تفاصيل السلوك اليومي للرهبان من خدمات وأعمال وعبادة ومعاملات لكنه لم يتطرق ولو جزئيا إلي أية بادرة تبشيرية من طرف الرهبان علي الرغم من أن الدير يعتبر رمزا من مخلفات الاستعمار. والذي كان بالأساس له دور تبشيري . أو إلي رسالة الإسلام الحقيقية، وإلي روحه التي تدعو بالأساس إلي السلام وتقديس الإنسان .وما تلك الجماعة إلا حالة استثناء أفرزتها دوافع سياسية وصراعات بعيدة عن روح الإسلام.

غلاف كتاب جان ماري مولِّر رهبان تبحرين-شهداء-اللاعنف
الصور الحقيقية للرهبان:
Celestin-الأخ سِلِسْتان
Christian-الأب كريستيان
Christophe-الأخ كريستوف
Luc-الأخ لوك
Michel-الأخ ميشيل
Paul-الأخ پول
الأخ برونو